الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

249

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فيه ولأيّ شيء هو هاهنا ومن أين يأتيه ، وإلى ما هو صائر ، وذلك كله من تأييد العقل . أقول : قد تقدم بعض الكلام في شرح هذا الحديث ، ولعمري هذا الحديث بيّن بما لا مزيد عليه في فضل العقل ، فعلم من هذه الأحاديث فضل تكريمه تعالى إياه بالعقل ، وأنه سبب محبة اللَّه لعبده ، كيف لا وهو المميز الفارق بين الحق والباطل ، والخير والشرّ ، ومبين لطريق النجاة من طريق الهلاك ، وهو حجة اللَّه تعالى الباطنة والنعمة الباطنة والنور والحياة الأبدية ؟ والأحاديث في فضل العقل كثيرة جدّا كيف لا وهو المايز الوحيد بين الإنسان وغيره من الحيوانات ، وبه ترقّيه وتعاليه إلى أشرف المنازل وأعلى الدرجات المعنوية والظاهرية ؟ فأكرم به من نعمة أنعم اللَّه به على العباد وأما تكريمه تعالى إياه بالإفهام بالنطق والإشارة الظاهرية والمعنوية والخطَّ والكتابة . فنقول : إن اللَّه تعالى لما خلق الإنسان جامعا ، فاقتضت هذه البينة الجامعة أن يكون مالكا ومملكا ، وأن تكون شؤونه كثيرة لا تكاد تحصى ، ولا ريب في أن من هذا شأنه يحتاج في مآربه ومطالبه في مقام إمضائها وإيجادها إلى وسائل كثيرة بحسب شؤونه ، فأسبغ اللَّه تعالى عليه نعمه الكثيرة المترادفة ، فعلَّمه النطق ليؤدي به مطالبه إلى مآربه ، ووسّع عليه في ذلك بأن أضاف إليه التمكن من الإشارة ، والخطَّ أيضا ، ليوسع في التأدية في شؤونه ، كل ذلك تعطفا عليه ورحمة ورأفة ، ولم يفعل اللَّه تعالى بمثل هذا في غيره من سائر الخلق أنه تعالى أكرم الإنسان بهذه عامة ، وأكرم أولياءه وأصفياءه من النبي والأئمة عليهم السّلام خاصة بالمزيد من ذلك ، وهو أنه تعالى منحهم ما أفهموا الجماد ، وأنطقوا به الصم الصلاد ، وأنقاد إلى إجابة كتابتهم وإشارتهم جميع من في البلاد فهم عليهم السّلام الذين فهموا عن اللَّه ما أراد ، وفهمّوا بفاضل فهمهم كلّ من فهم واستفاد ، فلا يفهم شيء من جميع الخلق شيئا إلا فهمه اللَّه بفاضل